المقريزي
218
درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة ( بيروت )
شيئان لو بكت الدّماء عليهما * عيناي حتّى يأذنا بذهاب لم يبلغا المعشار من حقّيهما * فقد الشّباب وفرقة الأحباب فقال أبو العباس : ترى يمكن أن يكون لهذين البيتين ثالث ؟ فقال بعض الحاضرين : نعم يمكن ، وأخذ رقعة وكتب البيتين وزاد عليهما : والثّالث المنسيّ أعظم منهما * ذلّ السّؤال ووقفة الأبواب ودفعها إليه ، فأطرق هو وابنه ساعة إلى الأرض خجلين ، وقد ظنّ كلّ واحد منهما أنّ هذا الرّجل وقف بباب أحدهما متعرّضا لنوالهما فلم يظفر بشيء ، ثم استحسنا بيته المذكور . فلما انفضّ المجلس ما وصل الرجل إلى داره إلا وصلة كلّ من الأب والابن قد وصلته مع الاعتذار إليه ، وواليا الإنعام إليه من بعد تلك الصّلة حتى كان الذي ناله منهما ما ينيف على ألفي دينار ذهبا سوى التّحف والثياب وغير ذلك . وجلس ابنه أبو زيد يوما في متنزّه له على حالة أنس ولذة مع ندمائه وقد تزايدت لذاته فاستأذن بعض خدمه على رجل من غلمانه كان في بعض جهاته لجباية مالها ، فأذن له ، فدخل ومعه جراب قد ملىء ذهبا وجراب مملوء فضة فقال للساقي « أدر علينا كأسك مترعة من هذا الذّهب والفضّة » فأفرغهما وملأ الكأس منهما ودار به على النّدامى حتى نفد الجميع ، وصار بأيدي الحاضرين ، فكان حظّه منه حظّ واحد منهم . واتّفق أيضا أن رجلا أتلف « 1 » ماله في الانهماك في اللذات والخلاعات حتى لم يبق بيده سوى جارية له كانت منه محلّ روحه من جسده ، ودار سكناها لا غير ، فرهن الدّار لسوء حاله وقلّة ذات يده ، وأنفق مال الرّهن حتى أصبح بأسوإ حال ، فقالت له الجارية : لو بعتني
--> لحماد ، كما هو معروف مشهور في ترجمته ( تاريخ الخطيب 9 / 5 ، ومعجم الأدباء 3 / 1196 ، وسير أعلام النبلاء 7 / 156 ) . ( 1 ) في ج : « أنفق » .